رفيق العجم
مقدمة 20
موسوعة مصطلحات ابن خلدون والشريف علي محمد الجرجاني
بل تغور في أبعادها وأسبابها ، وتتحقّق من ذلك بعد التحقّق من وقوعها . وكل هذا يمثّل نزعة تجريبية واقعية يستعمل فيها العقل معيارا للحكمة كما ورد ، وجمّاعا بين الأشياء ، يراها بتسلسلها ويغوص أحيانا في أسبابها . ويقف هذا العقل أمام النص المصدر الأول الذي قال فيه ابن خلدون : « العلوم النقلية الوضعية - التي وضعها الشارع اللّه - هي كلّها مستندة إلى الخبر عن الواضع الشرعي ، ولا مجال فيها للعقل إلّا في إلحاق الفروع من مسائلها بالأصول » « 1 » . كما وإن ما يركن إليه الإنسان بعقله يتمّ عبر استقبال الأحداث والاهتداء إليها ، من غير إدخال الموجود العاقل في تكوين المعرفة لجهة البعد الإنساني في علاقته مع الأشياء . إن ابن خلدون قد دفع النظر إلى حدّ تمجيد العقل ، لكن هذا العقل بقي فعلا نظريّا يستقبل النص والوقائع ، ولم يسمح له أو لم تسمح له الحقبة التي عاش فيها بدفع العقل إلى الوعي بالذات وإحداث عالمه والمعارف ، من خلال وعيه ، وما يتبدّى له كإنسان عاقل تظهر له الأشياء في مواضع ، ويضفي عليها من إنّيته العاقلة العارفة في مواضع أخرى . وهذا المنحى ينقل الباحث إلى منحى آخر يجعل العقل الخلدوني يقف عند حدود ما يتيحه العقل الجمّاع ، من غير الإفساح في المجال لأن يتخطّى العقل معقوليته إلى المتعالي والمطلق ، لأن مصدرهما جاهز . وبهذين المنحيين يمثّل ابن خلدون النزعة العربية والإسلامية المعرفية . فهو من جهة عقلي تجريبي تلقّى الوقائع وكشف عن سترها وجمعها ، ولم يقول بها في بنيان معرفي ذاتي يضفي عليها إدراكه وتبدّياته . ومن جهة أخرى عقل الأشياء في حدود معيّنة ، ووقف عند المطلق المتعالي لجاهزيته من خارج عقله . وهذان الاتّجاهان مثّلا الطابع المعرفي العربي أصدق تمثيل . وإذ بابن خلدون يقف موقفا يبيّن فيه تهافت المعرفة العرفانية ، ويأخذ بالمعرفة البرهانية آلة مساعدة لطابعه سابق الذكر . فيتلقّى منها ويستعين بها بقدر ما توازره في تمحيص الوقائع والخلاص منها بعبر ونتائج ، فهو وعي يتذكّر
--> ( 1 ) المقدمة ، 3 / 1026 .